مصر و محاكمة مبارك

من قبل

على مصر أن تحذر مما تتمناه. بناءاً على إحدى استطلاعات شركة يوغوف مؤخراً حول الرأي العام في مصر فإن أغلبية المستطلعين (67%) يريدون حكم الإعدام لرئيسهم المخلوع حسني مبارك فيما إذا وجّهت له أي تهمة. يأتي ذلك بالمقارنة مع 22% فقط من الذين يعارضون حكم الإعدام. وترتفع نسبة مساندة حكم الإعدام بين المستطلعين في الفئة العمرية 18-24 و 25-29 عام إلى 77% و 70%، بالتوالي.

وبالرغم من أن هذا القرار قد يلقى تشجيعاً وحماساً كبيرين في الوسط المصري إلاً أنه قد يثبت ضرراً أكبر في عملية الإصلاحات في مصر.

نتائج استطلاع يوغوف هذه لم تأتي بمفاجئة إذا قمنا الأخذ بعين الاعتبار أن أحد أكبر مطالب المتظاهرين والذين قادوا الثورة في ميدان التحرير بالقاهرة في وقت سابق من هذا العام كانت تطالب بمحاكمة حسني مبارك. وقامت نتائج الاستطلاع نفسه بالتأكيد على أهميّة المحاكمة هذه عندما سَئلوا عن أولويّات مصر حالياً قام المستطلعون بترتيب محاكمة مبارك على أنها ثالث أهم شيء من بين 16 خيار أتيح لهم. الأكثر أهميّة من ذلك بالنسبة لهم كان "مكافحة الفساد" و "تنمية الاقتصاد" مما يعني أن جلب الرئيس السابق إلى المحكمة هو أمر أكثر أهميّة عندهم من "التعليم ومحو الأمية" و "البطالة" و "الرعاية الصحيّة" بالإضافة إلى عدد من الأمور الأخرى.

وكذلك في دورها كحكومة حامية فإن المحكمة العليا للقوات المسلّحة لم تهدر أي وقت في تلبية مطالب المتظاهرين لهذه المحاكمة. وفي حين أن مجموعة كبيرة من المسؤولين الكبار يدينون بتعييناتهم وترقيّاتهم إلى الرجل الذي يبقونه الآن خلف القضبان فإن الأمر لم يعد متعلّقاً بالعدل أو الإصلاح بل هو متعلّق بشكل كامل بإبعاد المتظاهرين عن ميدان التحرير ومنع اندلاع ثورة ثانية.

يتمّ النظر إلى محاكمة مبارك بين المصريين (وبين آخرين كذلك) على أنها خطوة كبيرة في التاريخ للإصلاحات السياسية في العالم العربي. لكن من الممكن أن ينعكس الأمر فيما إذا أدّت بعض المشاعر إلى تبرير محاكمة قصيرة وسريعة لمبارك والأشخاص من حوله بما فيهم أبناءه علاء وجمال. العرض العسكري لهذه المحاكمة حتماً سيلقى دعماً كبيراً في وسط أجواء شعب لايزال يطالب بأخذ إجراءات سريعة وحاسمة. لكن قد يساعد ذلك هذا الحلّ السريع في تفادي محاكمة مفصّلة وأكثر تعقيداً قد تستغرق وقتاً أطول مما يعني أنها ستكون أكثر صدقاً في كشف حقائق الفساد الذي لايزال متغلغلاً في عديد من الوزارات الرئيسية في الدولة.

لكن من الصعب من خلال هذه النتائج من الرأي العام تحديد ما إذا كان دور الجيش في التطوّر المصري مبهماً حيث أن: 91% من المستطلعين قاموا بوصف شعورهم تجاه الجيش على أنه مفضّل. وفي حين أن كبار الضباط قد يوّدوا التخفيف من انطباع الشعب عن دور الجيش في سياسة الدولة إلا أن نسبة كبيرة تعادل 68% من المستطلعين يعتقدون بأنه يمكن للجيش أن يلعب دوراً مهماً في الوساطة بين المجموعات السياسية والاجتماعية المختلفة التي تتنافس ليكون لها تأثيراً على الدولة المصرية الجديدة.

وبالمقارنة فإن الجيش لا يزال الأكثر شعبية بالمقارنة مع الجهات الرئيسية الأخرى. 40% فقط من المستطلعين وصفوا أنفسهم على أنهم يفضّلون الإخوان المسلمين في حين وصف الأغلبية، ونسبتهم 55%، شعورهم بأنهم لا يفضّلون هذه المجموعة. وبالمقابل فإن حزب الوسط وهو حزب سياسي أقامه منشّقون عن جماعة الأخوة المسلمين تحت شعارات كونهم ’متحررين‘ و ’وسطيين‘ قد نال تفضيل 36% فقط من المستطلعين.

هذه النسب تشكّل رعباً أكبر للمراقبين الأجانب الذين يتشكّل لديهم انطباع بأن شياطين عام 1979 والثورة المشابهة لثورة إيران والتي تحلّق فوق السياسة الجديدة لمصر قد جاءت على هيئة الأخوان المسلمين سواء بشكلها العصري أو بأفكارها المتطرّفة.

في المقابل فإنه وفي إحدى استطلاعات يوغوف التي قامت بها بعد سقوط مبارك بفترة قصيرة في فبراير، كنا قد طلبنا من المستطلعين اختيار رئيسهم المفضّل الجديد لمصر من قائمة تحتوي على ثمانية مرّشحين للمنصب آنذاك. الثلاثة مرّشحين الذين حازوا على أكبر نسبة إجمالية وهي 70% لم يمثلّوا الإخوان المسلمين. وبشكل عام فإن غالبية التصويت جاءت لصالح عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، وبنسبة 49% يليه أحمد زويل العالم الحائز على جائزة نوبل وبنسبة 12% ثم عمر سليمان رئيس المخابرات السابق ونائب الرئيس لفترة وجيزة وبنسبة 9%.

ومن دون شك فإن ما سيؤول إليه الوضع في مصر بعد أيام مبارك قد يعكس إلى حد ما زيادة دور الإسلام السياسي المبني على الأوضاع المحليّة لكن بعيداً عن المفاهيم العالمية مثل الحرب على الإرهاب والذي كانت الحكومة السابقة تستغلّه كتبرير لأولوّيته على الإصلاح السياسي والاقتصادي في الدولة.

لكن وبما أن نتائج يوجوف تساعد أيضاً على تحليل الوضع، يبدو أن المجتمع المصري يعكس نسباً ضئيلة من الحماس لأي شكل من الحكومات الإسلامية.

وإذا كان هناك أي تحديّات حقيقية لثورة الحرية السياسية للمصريين فإنها تنبع من حقيقة كون نظام الجيش الذي قامت عليه الحكومة السابقة لحسني مبارك لايزال يمتلك سيطرة كبيرة على الجهات الحكومية الرئيسية بما فيها النظام والقانون كما كان الوضع عليه في السابق.

وفي ظل حماسهم المفهوم لمحكامة سريعة لحسني مبارك إلا أنه يجب ان يتأكد الإصلاحيون الجدد لمصر من أن محاكمة النظام السابق لا يجب أن يكون بمثابة تغطية لأفعالهم هم.

تم القيام بالاستطلاع في الفترة ما بين 11-12 أغسطس 2011 باستخدام فريق استطلاع يوجوف في الشرق الأوسط والمكوّن من 260,000 مشارك. العيّنة المستطلعة كانت مكوّنة من 1,012 مصرياً مقيمون في مصر وتم وزن العيّنة لتكون ممثلة لعدد البالغين من عمر 18 عام فما فوق والمقيمين في المناطق الحضرية.

الرجاء قراءة قواعد جمعيتنا قبل التعليق